تحقيق في كلمة " التقوى "

0

التالي فهرس سابق

إذا أردنا أن نأخذ كلمة أوسع

و نوسع فيها مجال البحث على أنوار الحرف و أنوار الشكل حتى نوسع دائرة البحث فنأخذ على سبيل المثال كلمة: " التقوى " هذه الكلمة الدالة التي هي بغية و ملاذ كل مؤمن محب في الله و رسوله، و التي وردت في كتاب الله على مستوى الجدر أزيد من 250 مرة، و كيف وردت في كتاب الله لأهميتها فنتوكل على الله و نسأله العون و البصيرة سبحانه لا علم إلا ما علم و لا فهم إلا ما فهّم و لا يصل إلا ما به ألهم و قسّم و لا يثبت إلا ما به قدّر و حكم..

قال الجليل في محكم التنزيل في آية الحج من سورة البقرة: (وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٧ ) ومن المائدة: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ
وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ
) ومن التوبة (لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن
يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨
).. ومن سورة الحج (لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ)... .

فلنتطرق إلى بعض من أوجه التفسير لهذه الكلمة في محاولة لبيان ما ورد فيها سواء كانت الوجهات لغوية أو استنباطات فكرية ظاهرية أو مبنية على قواعد علمية حقيقية، و ليس معنا هذا التنقيص من أنواع التفسير بل القرآن العظيم ملاذ كل متخصص و مرتع كل مفكر جاد سواء كان ذلك في اللغة أو في أي من أنواع العلوم، و هذا يعني أن هناك أوجه أخرى المحروم فقط و المتنطع وحده الذي يُحرمها و يضع بعدل الله حدا بيده بينه و بينها..

تفسير الكلمة حسب ما وردت فيه في كتاب الله..

إذا رجعنا إلى كتاب الله تعالى الذي لا ياتيه الباطل نجد أن كلمة التقوى جاءت بمعاني سامية و عظيمة و دالة تجعل المقبلين على الله الذين هم المتقون لا يبغون عنها عوجا و لا يجدون عنها متحولا.. فنجد أن الجليل وصف الصفة و الموصوفين بها على مقامات و شُرفات و نُزلات:

_ من وصف المتقين أنهم يتخذون كتاب الله نورا و هدى لأنفسهم و في حياتهم مصداقا لقوله تعالى في البقرة: (ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢).. و كذلك جاءت بنفس المعنى في قوله تعالى في آل عمران: ( هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨)...

_ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١).. و التقوى من أعلى درجات الإيمان قال تعالى في البقرة (وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣ )..

_ و جاءت التقوى بوصف جميل و دقيق في سورة البقرة، و أنها درجة تدرك بعد حق الإيمان بالله و الالتزام بما جاء في شريعة الإسلام و الصبر على جاء و ورد في الامتحان و الصدق في كل ذلك قال تعالى: لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧)..

_ و جاءت التقوى باب الفلاح قال تعالى: (وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩).. وباب العلم قال تعالى: (وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢)

_ و المتقون لهم ضمان مباشر لكونهم بمعية قدرة الله و عظمته و رحمته قال تعالى: (وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤)..

والآيات كثيرة تدل على أن العدل قريب من التقوى والقبول بابه التقوى وخير الزاد التقوى والعفو باب التقوى، والتقوى تؤهل إلى حب الله تعالى، والتقوى والصبر ترصل إلى درجة العزم...

ومن لم يكفه شيء من هذا فليتق النار قال تعالى: وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ٢٤ ...

 

لو فرضنا أن باحثا بحق عن هذه الصفة الحميدة الفوق العادية و أخذ بنشد ضالته بين النحاة و مختلف طبقات المفسرين ثم بعد ذلك يحيل محصوله على قول العلماء العاملين فإننا نجد كما من المعلومات مقارنة مع ما ورد من حديث سيد الأولين و الآخرين، فلننح هذا النحو لتتضح الرؤيا..

 

أقوال النحاة:

قال الأصفهاني: التقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف هذا تحقيقه، ثم يسمى الخوف تارة تقوى، والتقوى خوفا حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه، وصار التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما يؤثم، وذلك بترك المحظور...

و جاء في كتاب نشوء البيان: التقوى كلمة شديدة الأهمية لكثرة ورودها في القرآن وضرورة الإلتزام بها وفهمها جيداً،وهي كلمة التقوى التي أظن أن معناها القرآني لم يُفقه بدقة.فكلمة تقوى الله تفسّر بشكل حرفي انها من الفعل (وقى) الذي من معانيه الستر والصون والحذر... فتكون تقوى الله الحذر والخوف منه وتجنب غضبه.. وكأننا نتقي غضبه وبطشه بطاعته وبرضاه.. وهذا الإتجاه لا يبدو صائباً.ولكي نعرف معنى التقوى الحقيقي يجب العودة للماضي السحيق الذي وجدت فيه الأصول اللغوية الأولى لكلمة تقوى.. في النقوش القديمة لجزيرة العرب جاء الأمر الملكي كفعل بصيغة وقه .. والإئتمار بصيغة إتقه .. وكإسم بصيغ مثل: قهت(قاهة/قيهة) ، قهي،وقهة ..
في كتاب النبي لأهل نجران: لايحرك راهب عن رهبانيته ولا واقه عن وقاهيته.. قال ابن بري: القاه مقلوب من الوقه.. و في اللسان الوقه الطاعة.. وهذا غريب.. فالقرآن يذكر الطاعة بكلمة (تقوى) (بوزن: تفعل/تفعال).. كما أنها ترد في لسان العرب القديم (النقوش) بمعنى الأمر.. ففعل وقه بمعنى أمر.. وفعل إتقه يعني إإتمر.. ومنها التقوى بمعنى الإئتمار والطاعة..
والأوامر تأتي من الخالق أو أنبيائه أو أولياء الأمر.. ونجد كلمة (وقه/ وقى) تأتي بصيغة أخرى أقرب للأصل وهي (وصى).. فالوصاية والتوصية أصلها القول والأمر.. ونفترض قول فعل (إإتمر) من (وصى) فسيكون (إتّصي) وهي نفس (إتّقي)..كذلك وجّه (توجيهات كلام) سيكون المنفذ متّجه (إتّجه).. والوازع من وزع بمعنى أمر يعني وجّه.. ومنها (إتّزع).. فالمأمور سيكون متّزع .. بنفس وزن متقي وهكذا... فالأفعال: وقا.. وقى.. وقه.. وصا.. وزع.. وجّه.. تبدو من أصل واحد ولكن بلغات عدّة...
من ذلك يتبين ان الفعل (وقه) كان يعني أمر إلهي او ملكي او حتى أمر عام. والهاء في (وقه) ليست سوى تخفيف للهمزة بسبب لهجة العرب القديمة من الأصل (وقى / وقأ) مثل حكى بمعنى قال كما في (القاه) من أصل (قاء).. وهذا الفعل (وقه / وقأ / وقى) ومصدره (قاه.. قاهة). فكلمة (وقه) القديمة تكافئها كلمة (وقى) الفصيحة.. وهذه الكلمة وجد أقدم تدوين لها بالنصوص المصرية بلفظها البسيط (قا) التي من معانيها الأمر الإلهي او الملكي ..
وبالتالي فإن معنى التقوى هو (الإئتمار) بكلام الله أي (الطاعة).. فمعنى إتقي الله أي إئتمر لله..
والتقوى هي الإئتمار عموماً.. فالتقوى هي الإلتزام بالأمر (القاه) وتنفيذه.. وقد ارتبط (القاه) بالأمر العالي والسامي..
ونجد ان كلمة (وعظ ) أصلها الأمر وليس النصح.. فكلمة وعظ تبدو لهجة في وصى.. كما يقال إتّعظ مثل إتّقى...
و ما هذا إلا بعض من كلام النحاة لمن سره أن يبحث في حقيقة الوصف و الصفة..

أقوال المفسرين..

وقعت تصانيف في أقوال المفسرين حتى اعتبرت أمهات التفاسير و تفاسير أهل السنة و تفاسير الصوفية... و لا داعي للوقوف مع كل هذا و للننظر بعضا منها بحثا عن هدفنا.. و لنأخذ موقعا للتقوى في كتاب الله في قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ)..

قال الفخر الرازي..

أما قوله تعالى: وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ) ففيه قولان أحدهما: أن المراد: وتزودوا من التقوى، والدليل عليه قوله بعد ذلك: (فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ ) وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران: سفر في الدنيا وسفر من الدنيا، فالسفر في الدنيا لا بد له من زاد، وهو الطعام والشراب والمركب والمال، والسفر من الدنيا لا بد فيه أيضاً من زاد، وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لوجوه الأول: أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب موهوم وزاد الآخرة يخلصك من عذاب متيقن، وثانيها: أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع، وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم، وثالثها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى لذة ممزوجة بالآلام والأسقام والبليات، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة عن شوائب المضرة، آمنة من الانقطاع والزوال، ورابعها: أن زاد الدنيا وهي كل ساعة في الإدبار والانقضاء، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة، وهي كل ساعة في الإقبال والقرب والوصول، وخامسها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى منصة الشهوة والنفس، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس، فثبت بمجموع ما ذكرنا أن خير الزاد التقوى..

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير الآية، فكأنه تعالى قال: لما ثبت أن خير الزاد التقوى فاشتغلوا بتقواي يا أولي الألباب، يعني إن كنتم من أرباب الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور وجب عليكم بحكم عقلكم ولبكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد لما فيه كثرة المنافع، وقال الأعشى في تقرير هذا المعنى:

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولا قيث بعد الموت من قد تزودا

ندمت على أن لا تكون كمثلــــــــــــــــــه وأنك لم ترصد كما كان أرصــــــــــــدا

و قال سهل الدين التستري..

قوله: (وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ) أي يا أهل الفهم عني بالعقول السليمة.. وقال: إن الله تعالى أمرهم أن يتقوه على مقدار طاقات عقولهم بما خصهم به من نور الهداية بذاته، والقبول منه، وإفرادهم بالمعنى الذي ركبه فيهم، وعلمه بهم قبل خلقهم، فذكرهم تلك النعمة عليهم، ودعاهم بتلك النعمة التي سبقت لهم إلى الاعتراف بنعمة ثانية بعد الموهبة الأزلية، وهي حقيقة المعرفة، وقبول العلم بالعمل خالصاً له. قيل: فما معنى التقوى وحقيقته؟ قال: الحقيقة لله عزَّ وجلَّ أن تعاجل لدى العمل القليل بالموت، وكذا الخطايا بالعقوبة، فيعرف ذلك فيتقيه، فلا يتكل على شيء سواه. قيل له: قد اختلفت أسباب تقوى الخلق؟ قال: نعم، كما اختلف أفعالهم. قال أبو بكر: فقلت: لقد ثبت في القرآن أن تقوى كل امرئ على حسب طاقته. فقال: نعم، قد قال الله تعالى: (فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ) فردهم إلى ما في طاقتهم.. فقلت له: لقد قال الله تعالى: (ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ) قال سهل: أما أصحابنا فيقولون إن هذا الخطاب لقوم مخصوصين بأعيانهم، لأنهم طولبوا بما لم يطالب به الأنبياء عليهم السلام، وكما قال إبراهيم ويعقوب لأولادهما..

و قال القشيري

تقوى العامة مُجانبة الزلات، وتقوى الخواص مجانبة الأغيار بالسرائر..

و إذا سمونا إلى رياض الصحابة و التابعين الذين تعلموا في جامعة رسول رب العالمين فإننا نجد:

سأل رجل أبا هريرة ما التقوى؟ قال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال نعم. قال: "فكيف صنعت؟" قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه" قال: "ذاك التقوى"..

و عن مالك بن أنس قال: بلغني أن رجلا من بعض الفقهاء كتب إلى ابن الزبير يقول: ألا إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها، ويعرفونها من أنفسهم: من رضي بالقضاء، وصبر على البلاء، وشكر على النعماء، وصدق في اللسان، ووفى بالوعد والعهد، وتلا أحكام القرآن...

و قال أبو الدرداء: "تمام التقوى أن يتقي الله العبد من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين الحرام"..

قال عمر بن عبد العزيز: " التقي مُلجّم.. لا يفعل كل ما يريد"..

قال طلق بن حبيب: " التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء رحمة الله، والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله"..

فإذا طرقنا باب سر الله المصون و سر نوره المخزون و نور سره المكنون سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و شرف و عظم و على آله و صحبه و سلم..

عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء"..

عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... التقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات).."

عن عطية السعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا باس به حذرا مما به البأس"..

سبحان الله من يراجع كل هذا يتأكد أنه بقدر ما يكون القرب من رسول الله صلى الله عليه و سلم بقدر ما يكون الفهم عن منهجه القويم و صراط الله المستقيم، و هذا إنما يدل على أن مدرسة الحبيب يشرب منها المتلقي بقدر رسوخه و ضلوعه و ثبوته على مناهج أنوارها و ثوابت أسرارها، و هذا إنما يدل على هذه المناهج النورانية العلمية ولها منافذ و مداخل، فمن صادفها فقد صادف الترياق الأكبر و الكبريت الأحمر، و من تزحزح عنها فقد حرمها و لو كانت بين يديه علوم الدنيا كلها يأخذ منها ما يريد متى يريد..

فمن خلال أحاديث الحبيب في التقوى يتضح أنه صلى الله عليه و سلم كان يخاطب القوم بما يدركون و يذكرهم بما هم به متيقنون.. " أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء"...

و من يرى أحاديث الصحابة و التابعين يجد أنهم كانوا أشد رسوخا في معرفة معنى التقوى و حدودها.. و كذلك التابعين و العلماء العاملين، فإذا أردنا أن نضع مقارنة بين هذه العلوم الحرفية و ننظر من الأقرب إلى حقيقة المعنى، هل هم الداخلون على المعاني من خلال أنوارها و أسرارها أو هم الذين أحطوا بكل العلوم الظاهرة، و هذا كما سبق القول أنه ليس تنقيص من علوم الظاهر و إنما تحفيز على استكمال ما يجب استكماله و زيادة الخيرات على بعضها و إلحاق العلوم بأصولها و هذا المطلوب..

فإذا أحللنا كلمة التقوى على الأنوار المحمدية الشريفة نجد ما يلي:

أن الكلمة تتكون من ست حروف لكل حرف نور من الأنوار لا بد منه لاستكمال حقيقة التشخيص، و لكل حرف من الحروف حركة تكون هي مدخله حسب الآية التي وردت فيها كلمة التقوى فلنبدأ على بركة الله على معنى الآية الكريمة: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ)

ٱلتَّقۡوَىٰۖ:

* الألف من حروف القبض فعلى العبد أن يكون فيه قبض جامد في التحلي بنورها الذي هو امتثال أمر الله تعالى، و الألف ساكنة و هو كذلك قبض، فيكون امتثال أمر الله مدخله من نور النفرة عن الضد يعني بالفرار عن كل ما سواه..

* اللام من نور الرسالة و لها العلم الكامل و المعنى أن امتثال أمر الله بالفرار من غيره لا يكون على هواك و إنما هي تعاليم يجب أن تطبق و تلك تعاليم السنة المحمدية الشريفة، و اللام كذلك مجزومة فيكون العلم هنا متوقف على حاسة من نور القبض و هي القوة الكاملة في الانكماش، و هذا يعني أن تكون فيك قوة مانعة لإتيان الطاعة ما استطعت و الوقوف عن النواهي عند الاقتضاء وبكل سهولة..

* التاء من نور الآدمية و تعني كمال الحواس الظاهرة، و هذا يعني أن للحواس في التبليغ مهمة فإذا كان الخلل في الأداة التي هي الحواس كان الخلل في المعلومة عن الطاعة و عن المعصية.. و هي مفتوحة فيكون كمال الحواس موقوف على حاسة و نور من أنوار الرسالة الذي هو نزع حظ الشيطان..

* و القاف من نور الروح و تعني البصيرة و المعنى أن ما سبق إلى الأنوار في التقوى يوصل إلى حاسة أخرى هي البصيرة و لا بدونها يمكن أن يصل العبد إلى روح هذه الصفة الحميدة.. حركتها ليس منها شيء و لكن جزمها قبض و يعني هنا سريان الحاسة في الذات.. و المعنى إلحاق ما سلف من الأنوار بالكيان حتى يعم الإحساس الظاهر بالباطن و هذا المقصود..

* الواو من نور الرسالة و له الموت في الحياة و المعنى الانمحاء عن كل نفع دنيوي على حساب الإخلال بالنور الوارد في حقيقة المعنى.. هو مفتوح و الفتح كذلك من الرسالة فيكون من الذكورية.. و المعنى التحقيق بأنوار الخلافة..

* الألف مقصورة و تعتبر بمثابة الياء و هي من نور النبوة و لها الخوف التام من الله تعالى و لها نور القبض في الحركة و هي الميل إلى الجنس..

و سيأتي بفضل الله تعالى شرح تام و شافي لكل من الأنوار التسعة و الأربعين حتى يفهم كل نور قدر المستطاع و الله الموفق.

 

و هذه صورة جامعة للأنوار و الحروف و الكلمة

ٱلتَّـــــقۡــــوَىٰ

ٱ

الألف من حروف القبض

ولها من الأنوار: امتثال أمر الله تعالى

حركتها السكون وهو من القبض،

وله من الأنوار: النفرة عن الضد..

ل

اللام من حروف الرسالة

ولها من الأنوار العلم الكامل

وسكونها من القبض وله من الأنوار القوة الكاملة في الانكماش

تَّـ

التاء من حروف الآدمية

ولها من الأنوار كمال الحواس الظاهرة

وفتحها من الآدمية

وله من الأنوار نزع حظ الشيطان

قۡ

القاف من حروف الروح

وله من الأنوار البصيرة

سكون القاف من القبض

وله من الأنوار سريان الحاسة في الذات

وَ

الواو من حروف الرسالة

وله من الأنوار الموت في الحياة

والفتح من الآدمية

وله من الأنوار الذكورية والنفع

ىٰ

الياء من حروف النبوة

ولها من الأنوارالخوف التام من الله

وسكونها من القبض

وله من الأنوار الميل إلى الجنس

 

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد