108# لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك و محو دعاويك لن تصل إليه أبدا، و لكن إذا أراد أن يوصلك إليه غطى وصفك بوصفه و نعتك بنعته، فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك له.

0

التالي فهرس سابق

   قلـت: الوصول إلى الله هو العلم به، و بإحاطته، بحيث يفنى من لم يكن و يبقى من لم يزل، و هذا لا يكون إلا بعد موت النفوس، و حط الرؤوس، و بذل الأرواح، و بيع الأشباح، لقوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة)التوبة111، أي جنة المعارف لأهل الجهاد الأكبر، و جنة الزخارف لأهل الجهاد الأصغر، و لقوله عليه السلام:" موتوا قبل أن تموتوا " ذكره النقشبندي في شرح الهائية حديثا و قال في لطائف المنن: لا يدخل على الله إلا من بابين، أحدهما الموت الأكبر و هو الموت الحسي، و الثاني الموت الذي تعنيه هذه الطائفة يعني موت النفوس..

 و قال الششتري رضي الله عنــه:

إن ترد وصلنا فموتـك شــرط    ****     لـن ينـال وصلنـا من فيـه فضلــه

و قال أيضـا:

ليس يـدرك وصالــي      ****     كـل مـن فيــه بقيــــا

 

   و قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: لا يصل الولي إلى الله تعالى و معه شهوة من شهواته أو تدبير من تدبيراته أو اختيار من اختياراته /.

   و هذه التصفية ليست هي من فعل العبد و كسبه، و إنما هي بسابق عناية ربه، فلو كان العبد لا يصل إلى الله تعالى إلا بعد فناء مساويه و محو دعاويه من حيث هو هو، لم يصل إليه أبدا، لكن الحق تعالى من كرمه و جوده إذا أراد أن يطوي عنه مسافة البعد أظهر له من أنوار قدسه و نعوت وصفه ما يغيب به العبد عن شهود نفسه..

   فحينئذ تفنى المساوي و تمحق الدعاوى، فيحصل الوصول، و يبلغ المأمول بما من الله إلى العبد من سابق العناية و الوداد، لا من العبد إلى الله بالكد و الاجتهاد..

   و إن شئت قلت: فناء المساوي هو التطهير من أوصاف البشرية، و هي الأخلاق المذمومة من حيث هي، و محو الدعاوي هو التبري من الحول و القوة، بحيث لا يرى لنفسه فعلا و لا تركا، و لا نقصا و لا كمالا، و إنما هي غرض لسهام الأقدار تجري عليها أحكام الواحد القهار..

   فتحقيق هذين الأمرين على الكمال مع وجود النفس كاد أن يكون من المحال، لكن لاحق تعالى لكرمه و جوده، إذا رأى منك صدق الطلب، و أراد أن يوصلك إليه، أوصلك إلى ولي من أوليائه، و أطلعك على خصوصيته و اصطفائه، فلزمت الأدب معه، فما يزال يسير بك حتى قال لك: هـا أنـت و ربـك، فحينئذ يستر الحق تعالى وصفك الذي هو وصف العبودية بوصفه الذي هو وصف الحرية، فتتحسن أوصاف البشرية بظهور أوصاف الروحانية، و تغطي أيضا نعتك الذي هو الحدوث بنعمته الذي هو القدم، أو غطى نعتك الذي هو العدم بنعته الذي هو الوجود، و قال الشيخ زروق: ستر فقرك بغناه و ذلك بعزه، و ضعفك بقوته، و يصرفك عن شهود ذلك منك و إليك بشهود ما منه إليه /.

   قلـت: و هو لازم لما فسر به من وصف العبودية و نعت الحرية، فوصلك حينئذ بما منه عليك من الإحسان، و اللطف و الامتنان، لا بما منك إليه من المجاهدة و الطاعة و الإذعان، و مثال النفس كالفحمة، كلما غسلتها بالصابون زاد سوادها، فإذا اشتعلت فيها النار و نفخ فيها الريح كستها النار، و لم يبق للون الفحم أثر، فكذلك أوصاف البشرية، إذا كساها نور الروحانية، تغطت ظلمة البشرية و لم يبق لها أثر، فتنقل البشرية في صفة روحانية، و في ذلك يقول الششتري في بعض أزجالــه:

فمتـى مـا يبيـن لـي     ****    زالـت البشـريـــا

و تحـولـت غيــري     ****     في صفـا روحـانيــا

   و النار التي تحرق البشرية هي مخالفة الهوى، و تحمل النفس ما يثقل عليها كالذل و الفقر و نحوهما مع دوام الاسم المفرد، فكلما فنى فيه ذابت بشريته و قويت روحانيته حتى تستولي على بشريته، فحينئذ يكون الحكم لها، فتغيب في نور مذكورها، و تغرق في عظمة محبوبها..

   فحينئذ يحصل الوصال، و يتحقق الفناء في ذي العظمة و الجلال، و للششتري رضي الله عنه أيضـا:

فالتفــت الخطـاب      ****      و سمــعـت مـنـي

كلي عن كلي  غـاب      ****       و أنا عنــي مغنــي

و ارتفع لـي الحجـاب     ****       و شهـــدت أنـي

ما بقي لـي أثـــر     ****      غبـت عـن أثــري

لم أجد مـن  حضــر      ****       فـي الحقيقـة غيـري

 

   و هذا آخر الباب الثالث عشر، و حاصلـه، أمرك بالتعلق بأوصاف الربوبية، و التحقق بأوصاف العبودية، و عدم مشاركتك له في وصف الحرية، و ما تعودت به من ذلك، فاخرق لها تلك العوائد هناك حتى تتأدب، و تكتفي بعلم الحال عن وجود الطلب، فيكون طلبها شاهد حالها من الذلة و الانكسار و ظهور الفاقة و الاضطرار، فحينئذ تترادف عليه المواهب، و تنال بذلك غاية المطالب، و منتهى الرغائب، و هو الوصول إلى حضرة القدس و محل الأنس من غير حيلة و لا اكتساب، و إنما هو منة من الكريم الوهاب، من عليها بالوصول، و تفضل عليها بالقبول، كما أشار إلى ذلك في الباب الذي يأتي بعده..

 

 

الفصل السابع عشر

انحياش العبـاد إلى كرم رب العباد

   كيف يتقبل الله من عباده

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد