114# لو أشرق لك نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها، و لرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها.

0

التالي فهرس سابق

   قلـت: اليقين هو العلم الذي لا يزاحمه وهم و لا يخالطه ريب و لا يصحبه اضطراب، مشتق من يقن الماء إذا حبس و لم يجرِ، شبِّـه به العلم إذا صحبته الطمأنينة و لم يبق للقلب فيه تحرك و لا اضطراب، و إشراق نوره هو ظهور أثره على الجوارح، فيظهر فيها الزهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة، و يظهر منه الانحياش إلى الله و الاشتياق إلى حضرة جماله، و السكون و الخضوع تحت قهر جلاله، و المسارعة إلى ابتغاء مرضاته، و المبادرة إلى مضان محابه و لهج اللسان بذكره، وشغل القلب بالفكرة في عظمته، و هيمان الروح في حضرة قربه، سكرها من شراب حبه، و اغتمارها بشهود قربه، فهذه هي علامة إشراق نور اليقين في القلب..

   و من علامته أيضا أن يصير الآجل عاجلا، و البعيد حاصلا، و الغيب شهادة، فإن ما توعدون لآت، و ما أنتم بمعجزين، و لنا في هذا المعنى:

فــلا تـرض بغيــر الله حبــا       ****        و كــن أبـدا بعشـق و اشتيــاق

تـرى الأمـر المغيـب ذا عيــان       ****        و تحضـى بالوصــال و بالتــلاقي

   كنـت ذيلت بهما قول القائــل:

فلا دهـش و حـام الحـي حـــي     ****     و لا عطــش و ساقــي القـوم باقــي

فمــا الدنيــا بباقيـة لحــــي     ****     و مــا حـي علـى الدنيــا بباقـــي

 

   فلو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة الآتية حاضرة لديك، أقرب إليك من أن ترحل إليها، إذ هي الراحلة إليك و المدركة لك، و لرأيت محاسن الدنيا الوهمية الفانية قد ظهرت كسفة الفناء عليها، أي قد انكسف نور وجودها بظهور ظلمة فنائها، فصار ما كان ظاهرا باطنا، و ما كان باطنا ظاهرا، و ما كان كثيفا صار لطيفا، و ما كان لطيفا صار كثيفا، و ما كان غيبا صار شهادة، و ما كان شهادة صار غيبا،، و إنما بعد ذلك عن الخلق ضعف إيمانهم و قلة نور إيقانهم، و لو أشرق نور اليقين في قلوبهم لرأوا الدنيا مكسوفة أنوارها بادية عوارها، كما رآها حارثة رضي الله عنه حين أخبر عن حقيقة إيمانه..

 

   روي عن أنس رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه و سلم يمشي إذ استقبله شاب من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه و سلم: "كيف أصبحت يا حارثة" قال: أصبحت مؤمنا بالله حقا، فقال له:" انظر ماذا تقول فإن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك " فقال: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي و أضمأت نهاري، فكأني بعرش ربي بارزا، و كأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، و كأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، فقال له: " أبصرت، فالـزم.. عبد نور الله الإيمان في قلبه " قال يا رسول الله ادع لي بالشهادة، فدعا له رسول الله صلى الله عليه بالشهادة فاستشهد يوم بدر، فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت له: يا رسول الله، قد علمت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر، و إن لم يكن في الجنة ترى ما أصنع؟ فقال:  " أو هبلــت ؟ أجنة هـي؟ إنها جنان، و إن ابنك أصاب الفردوس الأعلـى " فرجعت و هي تضحك و تقول: بـخ بـخ يا حارثـة /.

   و كما رآها معاذ بن جبل رضي الله عنه حين دخل على النبي صلى الله عليه و سلم و هو يبكي، فقال له: " كيف أصبحت يا معاذ " قال أصبحت مؤمنا، فقال: " إن لكل قول مصداقا و لكل قول حقيقة، فما مصداق ما تقول" فقال: يا رسول الله، ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمسي، و لا أمسيت قط إلا ظننت أني لا أصبح، و لا خطوت خطوة قط إلا ظننت أني لا أتبعها بالأخرى، و كأني أنظر إلى كل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها معها نبيها و أوثانها التي كانت تعبد من دون الله، و كأني أنظر إلى عقوبة أهل النار و ثواب أهل الجنة، فقال صلى الله عليه و سلم: "عرفت فالزم "

   فهذان رجلان من الأنصار أشرق نور الإيقان في قلوبهما، و شرح الله به صدورهما، فرأوا ما كان عاجلا آجلا و ما كان آتيا واصلا..

   و في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: " إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر و انفسح" قيل يا رسول الله، هل لذلك من علامة يعرف بها قال: " نعم، التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله " أو كما قال عليه الصلاة و السلام..

   و قال أحمد الأنطاكي رحمه الله: اليقين نور يجعله الله في قلب العبد حتى يشاهد به أمور آخرته و يخرق به كل حجاب بينه و بينها حتى يطالع الآخرة كالمشاهد لها /.

 

الوهم هو سبب الحجاب

   قلـت: إذا تكامل إشراق نور الإيمان غطى وجود الأكوان و وقع العيان على فقد الأعيان، و لم يبق إلا نور الملك الديان، كما أشار إلى ذلك بقولــه:

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد