12# كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل إلى الله و هو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله و لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار و هو لم يتب من هفواته.

0

التالي فهرس سابق

كيف يشرق قلـب صور الأكـوان منطبعة في مـرآته، يشرق بضم الياء بمعنى يستنير و يضيء، و صور الأكوان أشخاصها و تماثيلها الحسية و المعنوية، و الأكوان أنواع المخلوقات دقت أو حلت، و منطبعة أي ثابتة، و انطبع الشيء في الشيء أي ظهر أثره فيه، و المرآة معروفة و من شأنها انطباع فيها ما يقابلها، فكلما قوي صقلها قوي ظهور ما يقابلها فيها، و استعيرت هنا للبصيرة التي هي عين القلب التي تتجلى فيها الأشياء حسنها و قبيحها..

قلــت: جعل الله قلب الإنسان كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها كل ما يقابلها و ليس لها إلا وجه واحد، فإذا أراد الله عنايته بعبد شغل فطرته بأنوار ملكوته و أسرار جبروته، و لم يعلق قلبه بمحبة شيء من الأكوان الظلمانية و الخيالات الوهمية، فتنطبع في مرآة قلبه أنوار الإيمان و الإحسان، و تشرق فيها أقمار التوحيد و شموس العرفان، و إلى ذلك أشار الششتري في بعض أزجاله بقوله:

اغمض الطرف ترى

و تلـوح أخبارك

و افن عن ذي الورى

تبدو لك أسرارك

واصقل المـــري

به يزول انكدارك

ثــم قال:

الفـلك فيه يدور

و يضـيء و يلمع

و الشموس و البدور

فيك تغيب و تطلع

أي و بصقل مرآة قلبك يزول انكدارك للحق، فتعرفه في كل شيء، فيصير قلبك قطب، فلك الأنوار فيه تبدو أقمار التوحيد و شموس العرفان، و إذا أراد الله خذلان عبد بعدله و حكمته، أشغل فكرته بالأكوان الظلمانية و الشهوات الجسمانية، فتنطبع تلك الأكوان في مرآة قلبه فتنحجب بظلماتها الكونية و صورها الخيالية عن إشراق شموس العرفان و أنوار الإيمان، فكلما تراكمت فيها صور الأشياء انطمس نورها واشتد حجابها، فلا ترى إلا الحس، و لا تتفكر إلا في الحس، فمنها ما يشتد حجابها و ينطمس نورها بالكلية، فتنكر وجود النور من أصله، و هو مقام الكفر و العياذ بالله، و منها ما يقل صداها و يرق حجابها فتقر بالنور و لا تشاهده، و هو مقام عوام المسلمين و هم متفاوتون في القرب و البعد، و قوة الدليل و ضعفه، كل على قدر يقينه و قلة تعلقاته الدنيوية و عوائقه الشهوانية، و خيالاته الوهمية، و في الحديث " إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد" و أن الإيمان يخلق، أي يبلى، كما يخلق الثوب الجديد الحديث، و في حديث آخر: " لكل شيء مصقلة و مصقلة القلوب ذكر الله" و قال صلى الله عليه وسلم: " (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)...

و إذا علمت أن القلب ليس له إلا وجهة واحدة، إذا قابلها النور أشرقت، و إذا قابلتها الظلمة أظلمت، و لا تجتمع الظلمة و النور أبدا، علمت وجه تعجب الشيخ بقوله: كيف يشرق قلب بنور الإيمان و الإحسان و صور الأكوان الظلمانية منطبعة في مرآة قلبه، فالضدان لا يجتمعان، قال تعالى: ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) فما لك أيها الفقير إلى الله إلا قلب واحد، إذا أقبلت به على الخلق أدبرت عن الحق و إذا أقبلت على الحق أدبرت على الخلق، فترحل من عالم الملك إلى الملكوت، ومن الملكوت إلى الجبروت، و ما دمت مقيدا في هذا العالم بشهواتك و عوائدك، فلا يمكنك الرحيل إلى ربك و إلى ذلك أشار بقوله كما سبق ذكره :

أم كيف يرحل إلى الله و هو مكبل بشهواتـــه ،

الرحيل هو النهوض، و الانتقال من وطن إلى وطن، و هو هنا من نظر الكون إلى شهود الكون، و من الملك إلى الملكوت، أو من الوقوف مع الأسباب إلى رؤية مسبب الأسباب، أو من وطن الغفلة إلى اليقظة، أو من حظوظ النفس إلى حظوظ الله، أو من عالم الأكدار إلى عالم الصفاء، أو من رؤية الحس إلى شهود المعنى، أو من الجهل إلى المعرفة، أو علم اليقين إلى عين اليقين، أو من علم اليقين إلى حق اليقين، أو من المراقبة إلى المشاهدة، أو من مقام السائرين إلى وطن المتمكنين، و المكبل هو المقيد، و المراد بالشهوات كل ما تشتهيه النفس و تميل إليه.

قلــت: الرحيل مع التكبيل لا يجتمعان، فما دام القلب محبوسا بالميل إلى شيء من هذا الغرض الفاني، و لو كان مباحا في الشرع، فهو مقيد و مكبل في وطنه، فلا يرحل إلى الملكوت و لا تشرق عليه أنوار الجبروت، فتعلق القلب بالشهوات مانع له من النهوض إلى الله لاشتغاله بالالتفات إليها، و على تقدير النهوض معها تكون مثبطة له عن الإسراع بالميل إليها، و على تقدير الإسراع فلا يأمن العثار معها لأنس النفس بها، و لذلك ترك الأكابر لذتها حتى قال بعضهم: لدغ الزنابير على الأجسام المقرحة أيسر من لدغ الشهوات على القلوب المتوجهة .

قلــت: إن تعلق القلب بطلبها قبل حصولها و إلا فلا، لعدم تعلق القلب بها، و قد تقدم في حقيقة التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة، و كان شيخنا رضي الله عنه يقول: إن شئتم أن نقسم لكم.. لا يدخل عالم الملكوت من في قلبه علقة اهـ .

فاقطع يا أخي عروق العلائق، و فر من وطن العوائق، تشرق عليك أنوار الحقائق، و لهـذت كانت السياحة و الهجرة من الأمور المؤكدة على المريد، إذ الإقامة في وطنه الحسي لا يخلو معها من التعلقات الحسية، و قد قالوا: الفقيـر كالماء إن طال في موطن واحد تغير، و إذا جرى عذب، و بقدر ما يسير في الحس يسير في المعنى، و بقرد ما يسير في القالب يسير في القلب، و الهجرة سنة نبوية، و منذ هاجر الرسول صلى الله عليه و سلم، لم تكن له راحة في السفر للجهاد حتى فتح الله عليه البلاد، و كذلك الصحابة رضوان الله عليهم، لم يستقروا في وطن إلا القليل منهم، حتى فتح الله على أيديهم سائر البلاد و هدى الله بهم العباد نفعنا الله ببركاتهم آمين، و إذا رحل القلب من وطن شهواته، و تطهر من لوث غفلاته، و صل إلى حضرة ربه، و تنعم بشهود قربه، و لذلك أشار بقوله:

أم كيف يطمع أن يدخل حضرة ربه و لم يتطهر من جنابة غفلاته

الحضرة، هي حضور القلب مع الرب، و هي على ثلاثة أقسام:

حضرة القلوب و حضرة الأرواح و حضرة الأسرار، فحضرة القلوب للسائرين و حضرة الأرواح للمستشرفين، و حضرة الأسرار للمتمكنين، أو تقــول: حضرة القلوب لأهل المراقبة، و حضرة الأرواح لأهل المشاهدة، و حضرة الأسرار لأهل المكالمة، و ســر ذلك ، أن الروح ما دامت تتقلب بين الغفلة و الحضرة كانت في حضرة القلوب، فإذا استراحت بالوصال سميت روحا، و كانت في حضرة الأرواح، و إذا تمكنت و صفت و صارت سرا من أسرار الله سميت سرا، و كانت في حضرة الأسرار و الله تعالى أعلم.

قلـت: و الحضرة مقدسة منزهة لا يدخلها إلا المطهرون، فحرام على القلب الجنب أن يدخل مسجد الحضرة، و جنابة القلب غفلته عن ربه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ) أي لا تقربوا صلاة الحضرة و أنتم سكارى بحب الدنيا و شهود السوى حتى تتيقضوا و تتدبروا ما تقولون في حضرة الملك، و لا جنبا من جماع الغفلة و شهود السوى حتى تتطهروا بماء الغيب الذي أشار إليه الحاتمي رضي الله عنه كما في الطبقات الشعرانية في ترجمة أبي المواهب بقوله:

توضأ بماء الغيب إن كنت ذا ســـر

و إلا تيمم بالصعيد أو الصخـر

و قدم إمـاما كنــت أنت إمامــه

و صل صلاة الظهر في أول العصر

فهذي صــلاة العارفيـن بربهـــم

فإن كنت منهم فانضح البر بالبحر

يعني تطهر من شهود نفسك بماء الغيبة عنها بشهود ربك، أو تطهر من شهود الحس بشهود المعنى، أو تطهر من شهود عالم الشهادة بماء شهود عالم الغيب، أو تطهر من شهود السوى بماء العلم بالله، فإنه يغيب عنك كل ما سواه، و إذا تطهرت من شهود السوى تطهرت من العيوب كلها و إلى ذلك أشار الششتري بقوله:

طهر العين بالمدامع سبكا

من شهود السِّوى تزل كلّ علّةٍ

و هذا الماء الذي هو ماء الغيب، هو النازل من صفاء بحار الجبروت إلى حياض رياض الملكوت، فتغرفه سحائب الرحمة، و تثيره رياح الهداية، فتسوقه إلى أرض النفوس الطيبة، فتمتلئ منه أودية القلوب المنورة، و خلجان الأرواح المطهرة، و غليه الإشارة بقوله تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا) شبه الحق تعالى العلم النافع بالمطر النازل من السماء، فكما أن المطر تعمر منه الأودية و الغدران و تجري منه العيون و الأنهار، كل على قدر سعته و كبره، كذلك العلم النافع، ينزل من سماء عالم الغيب إلى أرض عالم الشهادة، فتسيل به أودية القلوب كل على قدر طاقته، و حسب استعداده، و كما أن المطر يطهر الأرض من الأوساخ، و هو معنى قوله تعالى: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا) أي مرتفعا على وجه الماء، كذلك العلم النافع، يطهر النفوس من الأدناس، و القلوب من الأغيار، و الأرواح من الأكدار، و الأسرار من لوث الأنوار، و هذا الماء هو الذي أشار إليه بقوله: توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سر، أي كنت صاحب سر، و الشهود شهود الوحدة و نفي الكثرة، أو شهود العظمة بالعظمة، و من لم يتحقق بهذا، فلا يمكنه التطهير بماء الغيب بالكلية لفقده ذلك الماء، أو لعدم قدرته عليه، فعليه أن ينتقل إلى التيمم الذي هو رخصة الضعفاء و طهارة المرضى و إلى ذلك أشار بقوله: و إلا تيمم بالصعيد أو بالصخر، أي و إن لم تقدر على الطهارة الأصلية، و هي الغيبة عن السوى لمرض قلبك مع عدم صدقك، فانتقل للطهارة الفرعية التي هي العبادة الظاهرية..

أو تقول : و إن لم تقدر على الطهارة الحقيقية التي هي الطهارة الباطنية، فانتقل للطهارة المجازية التي هي الطهارة الظاهرية، أو تقــول : فإن لم تقدر على طهارة المقربين، فانتقل لطهارة أهل اليمين، أو تقـــول : فإن لم تقدر على طهارة أهل المحبة، فانتقل إلى طهارة أهل الخدمة، قوم أقامهم الله لخدمته، و قم اختصهم بمحبته (كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) فطهارة أهل المحبة، الفكرة و النظرة، و طهارة أهل الخدمة المكابدة و المجاهدة في العبادات الظاهرة من صلاة و صوم و ذكر و تلاوة و تعليم و غير ذلك، و بين عبادة خفيفة، كخوف و رجاء و زهد و صبر و ورع و رضى و تسليم و رحمة و شفقة، و غير ذلك مما لا يظهر للعيان، و هذا هو تصوف أهل الظاهر، و أما تصوف أهل الباطن فهو الغيبة عن الأكوان بشهود المكون، أو الغيبة عن الحق بشهود الملك الحق، و هو الذي عبر عنه الناظم بماء الغيب، فكل من لم يدرك تصوف أهل الباطن، فهو من أهل التيمم، فإن كان مشغولا بالعمل الظاهر كالصلاة و الصيام و نحوهما، فهو كالمتيمم بالصعيد لظهور أثر التراب على الجوارح، و إن كان مشغولا بالعبادة الخفية كالزهد و الورع و نحوهما فهو كالمتيمم بالصخر لعدم ظهورهما في الغالب، كعدم ظهور أثر الصخر، و لما أمرك بالغيبة عن السوى خاف عليك إنكار الواسطة، و إسقاط الحكمة فتقع في الزندقة، فقال : و قدم إماما كنت أنت إمامه، و المراد بالإمام هو النبي صلى الله عليه و سلم، و من كان على قدمه ممن جمع الحقيقة و الشريعة، فأمرك باتباع الشريعة المحمدية في حال غيبتك عن السوى، ليكون ظاهرك سلوكا و باطنك جذبا، ظاهرك مع الحكمة و باطنك مع القدرة، و لا بد أن تقتدي بإمام كامل، سلك الطريقة على يد شيخ كامل، يعلمك كيفية العمل بالشريعة، و يدلك على الحقيقة، و إلا بقيت مريضا على الدوام، و انظر قول القرافي رضي الله عنه، و لما سقط على شيخ التربية قال : تيممت بالصعيد زمانا و الآن سقطت على الماء، إذ لا تجد ماء الغيب و لا تقدر على استعماله إلا بصحبة أهل هذا الماء الذين شربوه،و سكروا به، ثم صحوا من سكرتهم، و سلكوا من جذبهم، فتملكهم زمام أمرك، و تنقاد إليهم بكليتك بعد أن أطلعك الله على خصوصيتهم، و كشف لك عن أسرارهم، فشهدت لهم روحك بالتقديم، و سرك بالتعظيم، فتقدمهم أمامك بعد أن كنت إمامهم و هم يطلبونك للحضرة، و كذلك النبي صلى الله عليه و سلم، كان يدعو الناس إلى الله و هم فارون أمامه، فلما عرفوا الحق قدموه إماما، و هذا معنى قوله كنت أنت إمامه، و أما قوله: و صل صلاة الظهر في أول العصر، أي اجمع ظهر الشريعة لعصر الحقيقة، و في أكثر النسخ: و صل صلاة الفجر في أول العصر، أي ارجع إلى البقاء بعد كمال الفناء، أو إلى السلوك بعد الجذب، إذ الغالب على المريد أن يتقدمه السلوك ثم يأتيه الجذب، فأوله سلوك و آخره جذب، كما أن أول النهار الفجر و آخره صلاة العصر، أي ارجع إلى صلاة الفجر التي كانت في أول نهارك فصلها في آخر نهارك، فارجع إلى السلوك الذي كان في أول أمرك، فاجعله في آخر أمرك و هو معنى قولهم: منتهى الكمال، مبدأ الشرائع، و قالوا أيضا، نهاية السالكين بداية المجذوبين، و نهاية المجذوبين بداية السالكين.

و قالوا أيضا: علامة النهاية، الرجوع إلى البداية، و سيأتي الكلام عن هذا في محله إن شاء الله، و قوله: فهذه صلاة العارفين بربهم ، لأنهم تطهروا الطهارة الأصلية و صلوا الصلاة الدائمة، قال تعالى: ( الذين هم على صلاتهم دائمون) فالعوام حد صلاتهم أوقاتهم، و العارفون في الصلاة على الدوام، قيل لبعضهم: هل للقلوب صلاة، فقل: نعم، إذا سجد لا يرفع رأسه أبدا، و إليه أشار الششتري بقوله:

فاسجد لهيبة الجلال عند التداني

ولتقرأ آية الكمال سبع المثاني

و قوله : فانضح البر بالبحر، أي إن كنت من العارفين المحققين، فانضح بر شريعتك ببحر حقيقتك حتى تغمرها و تغطيها، فتصير الشريعة عين الحقيقة، و الحقيقة عين الشريعة، حتى يصير عملك كله بالله و الله تعالى أعلم و بالله التوفيق و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، و إذا دخل القلب حضرة القدس، و محل الأنس، فهم دقائق الأسرار و ملئ بالمواهب و الأنوار، و إلى ذلك أشار بقوله:

أم كيـف يرجـو أن يفهـم دقائق الأسـرار و هو لـم يتـب مـن هفواتــه

الرجاء تمني الشيء مع السعي في أسبابه، و إلا فهو أمنية، و الفهم حصول العلم المطلوب، و دقائق الأسرار غوامض التوحيد، و التوبة، الرجوع عن كل وصف ذميم إلى كل وصف حميد، و هذه هي توبة الخواص، و الهفوات جمع هفوة، و هي الزلة و السقطة.

قلـــت: فهم دقائق الأسرار لا يكون أبدا مع وجود الإصرار، أو تقول: فهم غوامض التوحيد لا يكون إلا بقلب فريد، فمن لم يتب من هفواته، و يتحرر من رق شهواته، فلا يطمع في فهم غوامض التوحيد و لا يذوق أسرار أهل التغريد.

قال أحمد ابن أبي الحواري: سمعت شيخي أبا سلمان الداراني رضي الله عنه يقول: إذا اعتادت النفوس ترك الآثام، جالت في الملكوت و رجعت إلى صاحبها بطوائف الحكمة من غير أن يؤدي لها عالم علما، قال أحمد ابن حنبل: صدقت يا أحمد، و صدق شيخك، ما سمعت في الإسلام بحكاية أعجب إلي من هذه، مــن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم.

و قيل للجنيـد رضي الله عنه، كيف الطريق إلى التحقيق، قــال: بتوبة تزيل الإصرار، و خوف يقطع التسويف، و رجاء يبعث على مسالك العمل، و إهانة النفس بقربها من الأجل و بعدها من الأمل، فقيل لــه، بماذا نصل إلى هـذا، قـال: بقلب مفرد فيه توحيد مجرد اهـ

فإذا انفرد القلب بالله، و تخلص مما سواه، فهم دقائق التوحيد و غوامضه التي لا يمكن التعبير عنها، و إنما هو رموز و إشارات لا يفهمها إلا أهلها، و لا تفشى إلا لهم، و قليل ما هم، و من أفشى شيئا من أسرارها فقد أباح دمه و تعرض لقتل نفسه كما قال أبو مدين رضي الله عنه:

و في السر أسـرار دــقاق لطيفــة

تـــراق دمانـا لو بها بحــنا

وقال سيدي أحمد الرفاعي رضي الله عنه:

و لــي حبيـب عزيز لا أبـوح به

أخشــى فضيحـة وجهي يوم ألقاه

 

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد