124# متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء و إذا منعت قبضك المنع، فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك و عدم صدقك في عبوديتك.

0

التالي فهرس سابق

   قلـت: الطفولية و التطفل هو الدخول في قوم و هو و ليس منهم، و لم يستأذنهم، و الطفيلي هو الذي يأتي للوليمة من غير دعوة، و هو منسوب إلى رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان كان يقال له طفيل الأعراس، كان يأتي إلى الولائم من غير أن يدعى إليها، فشبه المؤلف به من دخل مع القوم و لم يتحقق بما تحققوا به من استواء الأحوال..

   فإذا كنت أيها الفقير إذا أعطيت حظوظك و مناك، و اتصلت بعوائدك و هواك من الغنى ة العز و الجاه و البسط و الصحة و العافية و غير ذلك من الحظوظ و الشهوات انبسطت و فرحت، و إذا منعت من حظوظك و شهواتك، و أبدلك الغنى بالفقر و العز بالذل و الجاه بالخمول و البسط بالقبض و الصحة بالمرض و العافية بالبلية، انقبضت و جزعت، فاستدل بذلك على ثبوت تطفلك على كلامهم، و لا نسبة لك من مقامهم، و إنما أنت طفيلي الأعراس، ما زلت في غفلة النعاس، و استدل بذلك على عدم صدقك في عبوديتك، إذ الصدق في العبودية يقتضي استواء النعمة و البلية، كما قال الشاعر:

أحباي أنتـم أحسـن أم أســا     *****       فكونـوا كما شئتـم أنـا ذلـك الخـل

   قال أبو عثمان الحيري رضي الله عنه: لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في أربعة أشياء: في المنع و العطاء و العز و الذل/.

   أما إذا كان الفقير يتضعضع عند الجلال، و ينهزم عند حملة الأبطال، فاعلم أنه ضعيف الحال، متطفل على مقامات الرجال، قال في التنويــر: و قد ابتلى الله بحكمته و وجود منته الفقراء الذين ليسوا بصادقين بإظهار ما كتموا من الرغبة و أسروا من الشهوة، فابتذلوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم ملايمين لهم موافقين لهم على ملذوذاتهم مدفوعين على أبوابهم، فترى الواحد منهم يتزين كما تتزين العروس، معتنون بإصلاح ظواهرهم، غافلون عن إصلاح سرائرهم، و قد وسمهم الحق بسمة كشف بها عوراهم و أظهر أخبارهم، فبعد أن كانت نسبته، إن لو صدق مع الله، يقال فيه: عبد الكبير، فخرج من هذه النسبة لعدم صدقه فصار يقال له: شيخ الأمير، أولئك الكاذبون على الله، الصادون العباد عن صحبة أولياء الله، لأن ما يشهده العموم منهم يسحبونه على كل منتسب لهم صادق و غير صادق، فهم حجب أهل التحقيق، و سحب شموس أهل التوفيق، ضربوا طبولهم و نشروا أعلامهم و لبسوا دروعهم، فإذا وقعت الحملة ولوا على أعقابهم ناكصين، ألسنتهم منطلقة بالدعوى و قلوبهم خاوية من التقوى..

   ألم يسمعوا قوله تعالى:( لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ) أترى إذا سأل الصادقين عن صدقهم أيترك المدعين من غير سؤال، ألم يسمعوا قوله سبحانه و تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) فهو في إظهاره زي الصادقين و عملهم عمل المعرضين، كما قال القائل:

أما الخيــام فإنهـا كخيـامهـم      *****       و أرى نسـاء الحـي غيـر نسائهــا

لا و الـذي حجـب قريشا  بيتـه      *****       مستقبليـن الركـن مـن بطحـائهـا

ما أبصـرت عيني خيــام  قبيلـة      *****       إلا بكيـت أحبتنــي بفنـائـهــا

   و هذا آخر الباب الخامس عشر، و حاصلها آداب المريد في المدح و الذم و مرجعها إلى خمس:

   الأول: ذم النفس عند مدحها بما ليس فيها..

   الثاني: استحياؤه من الله أن يمدح بوصف لا يشهده من وصفه..

   الثالث: أن يرجع إلى يقين ما عنده، فيعول عليه، أو يغتر بظن ما عند الناس فيعتمد عليه..

   الرابع: أن يكثر من الحمد و الشكر لمولاه حيث ستر عيوبه و أظهر توفيقه و هداه..

   الخامس: أن يكون معتدل الحال سليم القلب، فلا يحزن عند الذم و لا يفرح عند المدح، قال بعض العارفين: إذا قيل لك نعم الرجل أنت، فكان أحب إليك بأن يقال لك بئس الرجل أنت، فأنت و الله بئس الرجل/.

   و جاء رجل إلى شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه، فجعل يمدحه في وجهه فقال له: يا هذا لا تغرني بقولك، أنا أعرف نفسي حين أكون أفضل الوجود أو أقل الوجود، فالوقت الذي أكون فيه ذاكرا لربي أنا أفضل الوجود، و الوقت الذي لا نذكر الله فيه أنا أقل الوجود، أو كلام هذا معناه..

  لكن هذا الأدب الخامس يختلف باختلاف الأحوال، فالعباد يغلبون حب الذم على المدح، و العارفون يغلبون حب المدح على الذم، أو يعتدلون كما يعتدلون في حال المنع و العطاء و القبض و البسط و الذل و العز و الفقر و الغنى و غير ذلك من اختلاف الآثار و تنقلات الأطوار، و من جملة ذلك الخوف و الرجاء، بحيث إذا صدرت منهم طاعة لا يزيد رجاءهم، و إذا وقعت منهم زلة لا يعظم خوفهم، و لا تنقص استقامتهم، كما أشار إلى ذلك في أول الباب السادس عشر الذي يأتي بعده..

 

 

 

البـاب الثامن عشـر

من علامة السير عدم الوقوف مع شيء

   لا يؤيسك الذنب من حصول الاستقامة

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد