168# علم قلة نهوض العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجوب طاعته، فساقهم إليها بسلاسل الإيجاب.

0

التالي فهرس سابق

 علم قلة نهوض العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجوب طاعته،

 فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب، عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل.

أوجب عليك وجوب طاعته، و ما أوجب عليك إلا دخول جنتـه

   قلت: هذه حكمة التشريع لكنه ما ذكر إلا حكمة أهل الظاهر، و حاصلها أن الحق سبحانه من حكمته لما علم من عباده قلة النهوض إلى معاملته لأنه قال تعالى: (و قليل من عبادي الشكور)، و قال أيضا: ( و قليل ماهم) فلما علم ذلك أوجب عليهم طاعته، و أوعدهم على تركها بالعقوبة، فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب، ثم ذكر الشيخ حديثا ورد في شأن الأسارى، إشارة إلى أن العبد لا اختيار له، فهو أسير في يد قدرة القدير، و الحديث مشهور و هو قوله عليه السلام: " عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل"، لأنه صلى الله عليه و سلم كان يدعو إلى الله و يدعو إلى دخول حضرته، فمن وافقه نجا و من خالفه جعل له السلسلة في عنقه و ساقه إلى حضرة ربه، و لفظ الحديث" عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل" قال بعض العلماء: يجوز أن يكون معنى التعجب المنسوب إلى الله إظهار عجب هذا الأمر لخلقه، لأنه بديع الشأن، و هو أن الجنة التي أخبر الله بها، فيها من النعيم المقيم، و الخلود في العيش الرغد الدائم، و من حكم و من سمع بها من ذوي العقل أن يسارع إليها و يبذل جهده فيها، و يحتمل المكاره و المشقات لينالها، و هؤلاء يفرون منها و يرغبون عنها حتى يقادوا إليها بالسلاسل كما يقاد إلى المكاره العظيمة التي تنفر منها الطباع/.

   ثم إن الحق سبحانه و تعالى غني عن الانتفاع بالمنافع فما أمرك بهذا و نهاك عن هذا إلا لما لك فيه من جلب المنافع و دفع المضار، أوجب عليك وجود طاعته، و ما أوجب عليك إلا دخول جنته.

   و قال بعض الحكماء: و العلم أن في الطاعة تفاوتا و درجات، و في المخالفة كبائر و دركات، قال صلى الله عليه و سلم: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما يرى أهل الأرض الكوكب الدري في أفق السماء" قيل يا رسول الله تلك منازل الأنبياء قال:" و الذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله و صدقوا المرسلين".

   و قال آخر: الناس ثلاث، عبد أطاع الله عبودية و شكرا و امتثالا و قياما بحق الخدمة، فزاده الوجوب شوقا و علو درجة، و عبد أطاع الله تعظيما للموجب، فالوجوب في حقه تنبيه و إظهار للحكمة، و عبد أطاع خوفا من عذابه و رجاء في ثوابه، و لولا ذلك ما عبده، فالوجوب في حقه لطيف، و في الكل خير و شتان بينهما/.

   قلت: و التحقيق إنما هما قسمان، قسم أطاع على التكليف، و هم أهل التكثيف، و قسم أطاع على التعظيم، و هم أهل التعليم و التعريف، أهل الحجاب أطاعوا خوفا و طمعا، و أهل العيان أطاعوا حبا و شكرا، و هو مقام الأنبياء و خواص الأولياء، قال عليه السلام: "أفلا أكون عبدا شكورا".

   فالحكمة عند أهل الباطن في وجوب الخدمة إنما هي إظهار لسر ستر الربوبية التي هي في مظاهر العبودية، فالربوبية بلا عبودية نقص يلزم عليه إبطال حكمته، و العبودية بلا ربوبية محال لا يتصور وجوده.

مـن لا وجـود من ذاتـه لـذاتـه        فوجـوده لــولاه عيــن محـال

   و لأجل هذا المعنى كان العارفون إذا تحققوا هذا السر، و هو أن العبودية لا وجود لها من ذاتها، و إنما حكمة وجودها صور سر الربوبية بإظهار أحكام العبودية، و عرفوا ذلك حالا و ذوقا، كانت عبادتهم شكرا، و كانوا فيها محمولين غير حاملين، عملهم بالله لله، فعبادة هؤلاء كثيرة عظيمة في المعنى، و إن كانت قليلة في الحس و تقلّ أبدا، إذ تصرفاتهم كلها عبادة، نومهم عبادة و أكلهم عبادة و مشيهم عبادة، و في مثل هؤلاء ورد الحديث: " نوم العالم عبادة " و قال أيضا:" رجال يدخلون الجنة على الفرش الممهدة" قيل و من هم يا رسول الله قال: " الذاكرون الله كثيرا" أو كما قال عليه السلام.

   و قال أبو سليمان: قد يدرك العارف على فراشه ما لا يدركه في صلاته، و لا يستغرب العبد من نفسه بلوغ هذا المقام، فإن فضل الله لا ينال بسبب، و قدرة الله صالحة لدرك كل مطلب كما أبان ذلك بقولــه:

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد