18# ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها، إلا و نادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، و لا تبرجت ظواهر المكونات إلا و نادتك حقائقها: إنما نحن فتنة فلا تكفر.

0

التالي فهرس سابق

همة السالك هي القوة الباعثة له على السير، و وقوفها مع الشيء هو اعتقادها أن ما وصلت إليه هو الغاية، أو فيه كفاية، و هواتف الحقيقة هي لسان حال الكشف عن عين التحقيق، و تبرج الشيء ظهوره في حال الزينة لقصد الإمالة، و ظواهر المكونات هو ما كساها من الحسن و الحكمة، و تزيينها هو خرق عوائدها له و انقيادها لحكمه، و حقائقها نورها الباطني، و هو تجلي المعنى فيها.

قلــت : السالك هو الذي يشهد الأثر، فإن كان يشهده في نفسه، فهو سالك فقط في حالة سير، و إن كان يشهده بالله فهو سالك مجذوب، و المقامات التي يقطعها في الأفعال مقامات ثلاث: فناء في الأفعال و فناء في الصفات و فناء في الذات.

أو تقــول: فناء في الاسم و فناء في الذات و فناء في الفناء و هو مقام البقاء، ثم الترقي إلى ما لا نهاية له، فإذا كشف للسالك عن توحيد الأفعال و ذاق حلاوته، و أرادت همته أن تقف مع ذلك المقام نادته هواتف حقيقة الفناء في الصفات: الذي تطلب أمامـك، و إذا ترقى إلى مقام الفناء في الصفات، و كشف له عن سر توحيد الصفات، و استشرف على الفناء في الذات، و أرادت همته أن تقف مع ذلك المقام، نادته هواتف حقيقة الفناء في الذات: الذي تطلب أمامك، و إذا ترقى إلى الفناء في الذات، و كشف له عن سر توحيد الذات، و أرادت همته أن تقف مع ذلك المقام، نادته هواتف حقيقة فناء الفناء أو حقيقة البقاء: الذي تطلب أمامك، و إذا وصل إلى البقاء نادته هواتف العلوم الغيبية: و قـل رب زدني علمـا، و قد قال عليه الصلاة و السلام: " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "

أو تقول: إذا كشف للمريد عن الفناء في الاسم، و ذاق حلاوة العمل و الذكر، و أرادت همته أن تقف معها نادته هواتف حقائق الفناء في الذات: الذي تطلب أمامك، فإذا ترقى إلى مقام الفناء في الذات و ذاق حلاوته و لم يتمكن، و قنع بذلك، و أرادت همته أن تقف مع ذلك، نادته هواتف حقيقة التمكين: الذي تطلب أمامك، و إذا تمكن و لم يطلب زيادة الترقي نادته هواتف الترقي: الذي تطلب أمامك.

و هكذا كل مقام ينادي على ما قبله: يـا أهل يثرب لا مقام لكم، و إذا تبرجت، أي ظهرت بزينتها و حللها للسالك أو العارف ظواهر المكونات بخرق عوائدها و انقياد حاله و تصرفه فيها بهمته، كالمشي على الماء، أو الطيران في الهواء، أو نبع الماء و جلب الطعام و غير ذلك من الكرامات الحسية، و أرادت همة السالك أن تقف مع ظواهرها، و تشتغل بحلاوة حسها، نادته هواتف المعاني الباطنة، إنما نحن فتنة لك، نختبرك هل تقنع بها دون معرفة مالكها و منشئها المتجلي فيها، أو تعرض عنها و تنفذ إلى نور معانيها و شهود مالكها و مجريها، فلا تكفر، و تجحد المتجلي بها فتنكره و تكون من الجاهلين.

و قد ضرب الساحلي في البغية مثلا لهذه المقامات و السير فيها، فقـال: مثل ذلك كملك ظهر في المشرق مثلا، و أرسل لنا رسلا بكتاب من عنده، فقرؤوا علينا كتاب الملك، و شوقونا ليه غاية التشويق بذكر كرمه و محاسنه، فمن الناس من أعرض عن طاعته و الانقياذ إليه و هم الكفار، و من الناس من قَبِل و آمن و لم يقدر على النهوض إلى حضرة الملك، و هم عوام المسلمين، ضعفاء المحبة و اليقين، و من الناس من تشوق للملك، و نهض إلى حضرته، فقالت له الرسل، نحن نسيرك و نعرفك الطريق، فتقدموا أمامهم يسيرون بهم ، ثم إن الملك بنى ديارا و منازل ينزلونها، كل منزل أعظم من الذي قبله، و هكذا إلى خضرته، فإذا نزلوا أول المنازل و رأوا حسنه و بهجته أرادوا أن يقيموا فيه، فتقول لهم الرسل الذين جاءوا من عند الملك، الذي تطلبون أمامكم، فينهضون من ذلك المنزل، فإذا نزلوا الثاني وجدوه أعظم من الأول فيريدون أن يقيموا فيه، فترحلهم الرسل إلى ما بعده، و هكذا يقطعون بهم المنازل منزلا منزلا، حتى يوقفونهم على الملك، فيقولون لهم : ها أنتم و ربكم، فيستريحون من تعب، و يتمتعون بالمجالسة و النظر، و المراد بالرسل هنا الأنبياء الذين بعثهم الله و خلفاؤهم ممن كان على قدمهم، ممن جمع بين الشريعة و الحقيقة، و هذه المنازل هي المقامات التي يقطعها المريد اهـ.. بالمعنى مع الاختصار لطول العهد به، و قد أشار الششتري إلى التنبيه على عدم الوقوف مع هذه المقامات و الكرامات فقال:

فلا تلتفت في السير غيرا و كل ما

سوى الله غير فاتخذ ذكره حصنا

و كل مقام لا تقم فيه إنــــه

حجاب فجد السير و استنجد العونا

و مهما ترى كل المراتب تجتلـي

عليك فحل عنها فعن مثلها حلــنا

و قل ليس لي في غير ذاتك مطلب

فلا صورة تجلى و لا طرفة تجــنى

 

و اعلم أن هذه الآداب التي ذكرها الشيخ في هذا الباب قد تكون خالصة بالعارف، و قد يشاركه فيها غيره، فلذلك يعبر بعبارة واسعة لتكون عامة، لأن المريد قد يترقى إلى مقام، و قد تكون بقيت عليه بقية مما قبله فيكملها فيه، و الله أعلم.

الأدب الخامس: في اتساع أرزاق العلوم

 

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد