181# لا تستبطئ من النوال و لكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال.

0

التالي فهرس سابق

   قلت: الحق سبحانه جواد كريم، حليم رحيم، من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا، و من تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا، و من أتاه يمشي أتاه هرولة كما في الحديث، فإن توجهت إليه بقلبك و تأخر الفتح من ِقبَله، فلا تستبطئ منه النوال أي العطاء، و هو كشف الحجاب، و لكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال، فلعل إقبالك عليه لم يكن بكليتك، فإن الله سبحانه و تعالى يقول بلسان الحال، و ليس يدرك وصالي من فيه بقيـة، أو كان بحرف أو حظ، و أما لو زالت أغيارك لأشرقت أنوارك، و لو تطهرت من جنابة الغفلة لاستحققت الدخول إلى مسجد الحضرة، و قد يكمل إقبالك و يفوتك الأدب مع سيدك و هو استبطاؤك النوال، و لو صح منك الإقبال.

   قال بعضهم: هب أن السيد الكريم أهلا لكل فضل و كرم، أفترى العبد يقبل الأدب مع سيده، و يكشف جلباب الحياء عن وجهه، فإن فعل ذلك فهو بالعقوبة أولى من الكرم، و قد قال أرباب المعرفة: لأن تكون صاحب استقامة خير من أن تكون صاحب كرامة/.

   و من باع نفسه لله و كان عبدا مملوكا لمولاه فأي شيء يستحق على مولاه.

   حكي عن ذي النون المصري رضي الله عنه أنه رأى رجلا قد اشترى دارا، و أراد أن يكتب عقدها، فقال له ذو النون: يا أخي إن قبلت وصيتي أوصيتك، فقال نعم، قال: لا تشتر دارا تفنى و تدع دارا تبقى، فقال له: من لي بها، فقال له: هلا اشتريت من الله دار السلام، و مجاورة الكرام لتنال فيها الأمان، و تنعم بنعيم لا يدرك بالأثمان، دار لها أربع حدود، الأول منازل الخائفين، الثاني منازل العارفين، و الثالث منازل المشتاقين، و الرابع رياض المحبين، دار سقفها عرش الرحمن، و بابها باب الرضوان مكتوب على بابها بالخط الأزلي:

دار تقــى و رضــى عليهمـا         أسـست و نعـم دار المتقيـــــن

ثـم نـادى الحـق من أرجائهـا          أدخلوهـا بســلام آمنيـــــن

   فإن أردت عقد شرائها قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة، هذا ما اشترى العبد الثواب من الملك الوهاب، بثمن قيمته الخروج من ذل المعاصي إلى عز الطاعة، و من تعب الحرص و الطمع إلى راحة الزهد و الورع، شهد بذلك عدول القلب و اللسان، و صحيح ما نزل في القرآن، و بتاريخ حل عقدة الإصرار من وقت الإنابة، و من أوفى بعهده من الله، قال له: نعم، ثم تصدق بماله و خرج معه إلى الله/.

  حقوق الأوقات

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد