198# ما تجده القلوب من الهموم و الأحزان فلأجل ما منعت به من وجود العيان.

0

التالي فهرس سابق

   قلت: إنما كان سبب الهموم هو فقد الشهود، لأن الحق تعالى قريب على الدوام، رقيب على الدوام، فمن كان قريبا من الحبيب، فكيف يحس بفراق شيء أو فواته، نظر الحبيب يغيب عن بعيد و قريب، و أيضا على ما ينزل من عند الحبيب فهو حبيب، فلا يلحقه شيء مكروه عنده حتى يهتم به و لا يفوته محبوب سوى محبوبه حتى يحزن عليه، ففي محبوبه اجتمعت المحاسن كما قال القائل:

تذلل لـه تحظى برؤيـا جمالـه          ففي وجه من تهوى الفرائض و النفــل

   و في هذا المعنى أيضا قال صاحب العينية:

تلـذ لي الآلام إن كنت مسقمي         و إن تختبـرني فهو لي ضائـــع

   و بالجملة من كان نظره إلى محبوبه و مشاهدا لنوره و جماله لم يبق له هم و لا غم كما قال ابن الفارض في شهود الخمرة:

فما سكنت و الهمّ يوما بموضـع             كذلك لم يسكن مع النغـم الغــــم

و قال أيضا:

و لو خطرت يوما على خاطر امرئ          أقامت به الأفراح و ارتحـل الهــم

   و مما أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود لا تمزج همّ غيري بقلبك، فتنقص منه حلاوة الروحانيين، يا داود انا مصباح قلوب الروحانيين، و من كنت مصباح قلبه لم يغتم أبدا، يا داود إنما مرادي من خلقي أن يكونوا روحانيين/.

   و بالجملة، من كان عبدا لله غائبا عما سواه، لم يبق له شيء من الهم، لأنه قد حصلت له المحبة التي توجب النصر و الظفر بكل ما يريد، ألا ترى قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر: " لا تحزن إن الله معنــا" حين أحذق به المشركون، فكان عليه الصلاة و السلام في محل العيان، فلم يهمه شيء و لم تقرب من ساحته الأحزان، و كان أبو بكر في ذلك الحين موقنا غير مشاهد، فدله صلى الله عليه و سلم على مقام الكمال، لأن الشهود فوق الإيقان، و أنشدوا:

كبـر العيـن عليّ حتى أنـه        صار اليقين من العيـان توهمـــا

من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك و يمنعك ما يطغيك

   و من جملة ما وقع الاهتمام به لمن لم يكمل يقينه أمر الرزق و خوف الخلق، حتى قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: من ضمنها لي ضمنت له الولاية.

      أشار الشيخ إلى الأول بقولــه:

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد