37# لا تتعد نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال، و لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعا، من كان لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يكون لها عن غيره رافعا.

0

التالي فهرس سابق

لا تتعـد نيـة همتـك إلى غيـره، فالكريــم لا تتخطـاه الآمــــال

 

لا تتعد أي لا تتجاوز، و نية الهمة قصدها الذي يتوجه به، و الهمة القوة المنبعثة في طلب المقاصد، و الآمال قصود القاصدين، و معنى لا تتخطاه، أي لا تتجاوزه إلى غيره..

قلــت: إذا تعلقت همتك أيها المريد بشيء تريد تحصيله، فردها إلى الله، و لا تتعلق بشيء سواه، لأنه سبحانه كريم على الدوام، و نعمه سخاء على مر الليالي و الأيام، فالكريم لا تتخطاه الآمال، و هو يحب أن يسأل، فيجيب السؤال، و قد قالوا في تفسير اسمه تعالى الكريم: هو الذي إذا سئل أعطى، و لا يبالي كم أعطى، و لا لمن أعطى، و إذا رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، و إذا جفى عفا، و إذا عاتب ما استقصى، فهذا من كمال كرمه، و تمام إحسانه و إنعامه، و في ذلك يقول سيدي إبراهيم التازي في قصيدة له:

كمال الله أكمل حســن

فلله الكمال و لا ممـاري

و حب الله أشرف كل أنس

فلا تنس التخلق بالوقـار

و ذكر الله مرهم كل جرح

و أنفع من زلال لـلأوار

و لا موجود إلا الله حقــا

فدع عنك التعلق بالفشار

 

الأمر الثاني: عدم الشكوى لغير الله

لا ترفعــن إلى غيره حاجة هو موردها عليـــك

قلت : قد علمت أن ما سوى الله خيال وهمي لا حقيقة لوجوده، فإذا أنزل الله بك حاجة كفاقة أو شدة، أو غير ذلك من العوارض، فأنزلها بالله واجعلها تحت مشيئة الله، و غب عنها في ذكر الله، و لا تلتفت إلى ما سواه، لا تعلقا و لا تملقا، ففي الحديث: " من لم يسأل الله يغضب عليه " و قال أبو علي الدقاق: من علامة المعرفة ألا تسأل حوائجك كلها إلا من الله، قلــت: أو جلت مثل موسى عليه السلام، اشتاق إلى رؤيته فقال رب أرني أنظر إليك، و احتاج يوما إلى رغيف فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقيــر.

ثم تعجب ممن رفع أحكام الحق إلى غيره مع عجزه و ضعفه، فقــال:

 

فكيف ترفــع إلى غيره ما كــان هو له واضعـــا

قلت : من قلة حياء الإنسان أن يرفع إلى غير الحق ما أنزل الحق تعلى عليه من أحكام قهره مع علمه تعالى بإحسانه و بره، و عدم انفكاك لطفه من قدرته، قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: أيست من نفع نفسي لنفسي، فكيف لا أيأس من نفع غيري لها، و رجوت الله لغيري، فكيف لا أرجوه لنفسي، و قال أحد العارفين من المكاشفين رضي الله عنهم، قيل لي، في نوم كاليقظة، أو يقظة كالنوم: لا تبديــن فاقة، فأضاعفها عليك مكافأة لسوء أدبك، و خروجك على حد عبوديتك، إنما ابتليتك بالفاقة لتفزع إلي منها، و تتضرع بها لدي، و تتوكل فيها علي، سبكتك بالفاقة لتصير بها ذهبا خالصا، فلا تزيغن بعد السبك، و سمتك بالفاقة و حكمت لنفسي بالغنى، و إن وصلتها بغيري قطعت عنك مواد معونتي، و حسمت أسبابك من أسبابي طردا لك عن بابي، فمن وكلته إلي ملكَ، و من وكلتَه إليك هلكَ.

ثم يبن وجه التعجب فقال:

من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه، فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعــا

من عجز عن إصلاح نفسه، فكيف يقدر أن يصلح غيره، ضعف الطالب و المطلوب، قال بعضهم: من اعتمد على غير الله فهو في غرور، لأن الغرور ما لا يدوم، و لا يدوم شيء سواه و هو الدائم القديم الذي لم يزل، و لا يزال، و عطاؤه و فضله دائمان، فلا تعتمد إلا على من يدوم لك منه العطاء و الفضل..

 

الأمر الثالث: حسن الظن بالله

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد