69# متى رزقك الطاعة و الغنى به عنها، فاعلم أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة و باطنة، و خير ما تطلب منه ، ما هو طالبه منك.

0

التالي فهرس سابق

متى رزقك الطاعـة و الغنـى به عنها، فاعلم أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة و باطنـة

    قلــت: الطاعة في الظاهر هي رسوم الشريعة، و الغنى به في الباطن هو شواهد الحقيقة، فإذا جمع بين جوارحك، و الغنى به عنها في باطنك، فقد أسبغ عليك، أي أكمل، و أطال عليك نعمه ظاهرة و باطنة، و هذه سيما العارفين المقربين الأغنياء بالله، الفقراء مما سواه، استغنوا بمعبودهم عن رؤية عبادتهم، و بمعلومهم عن علمهم، و بمصلحهم عن صلاحهم..

   قال الشيخ أبو الحسن في الحزب الكبير: نسألك الفقر مما سواك، و الغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك، فهؤلاء الأغنياء بالله الغائبون فيه عما سواه، عبادتهم بالله و لله و من الله، قياما بشكر النعمة و إتماما لوظائف الحكمة، و في الحديث عنه صلى الله عليه و سلم:( أحب العباد إلى الله الأغنياء الأخفياء الأتقياء) أو كما قال عليه الصلاة و السلام، و في حديث آخر:(ليس الغنى بكثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس)..

و هذا هو الغنى بالله، و هذه هي النعمة الحقيقية، فالنعم الظاهرة هي تزيين الجوارح بالشريعة، و النعم الباطنة هي الأسرار بالحقيقة، و قيل النعم الظاهرة هي الكفاية و العافية و النعم الباطنة هي الهداية و المعرفة، و قيل: النعم الظاهرة راحة البدن من مخالفة أمره، و الباطنة سلامته من منازعة حكمه، و حقيقة النعمة من حيث هي ما لا يوجب ألما، و لا يعقب ندما، و قيل: النعمة العظمى الخروج من رؤية النفس، و قيل: النعمة ما أوصلك بالحقائق و طهرك من العلائق، و قطعك عن العلائق و بالله التوفيق.

و هذا آخر الباب الثامن، و حاصلها تحقيق الآداب مع الواردات الإلهية، لأنها مواهب اختصاصية، فمن أراد مدد أنواره، فعليه بكتمان أسرارها، و ليؤخر جزاء ثوابها لدار يدوم بقاؤها، فحينئذ يتحقق إخلاصه و يظهر اختصاصه، فيذوق حلاوة الطاعة و الإيمان و يعظم قدره عند الملك الديان، فيغيبه به عما سواه، و يسبغ عليه مننه و مهما أغناك به استغنيت به عن طلبه، و إن كان و لا بد من الطلب، فاطلب منه ما هو طالبه منك، كما أشار إلى ذلك في أول الباب التاسع كما يلي..

 

خيـــر ما تطلبه منه ما هو طالبــه منــك

    قلــت: و الذي طالبه منا هي الاستقامة ظاهرا و باطنا، و مرجعها إلى تحقيق العبودية في الظاهر، و كمال المعرفة في الباطن، أو تقــول: الذي هو طالبه منا هو إصلاح الجوارح الظاهرة بالشريعة قياما برسم الحكمة و إصلاح القلوب، و الأسرار الباطنة بالحيقة قياما بوظائف القدرة..

أو تقول: الذي طلبه منا امتثال أمره و اجتناب نهيه و الإكثار من ذكره و الاستسلام لقهره، و الأكمل في حق العارف أن يستغني بعلم الله و يكتفي بسؤال الحال عن طلب المقال، فإن تجلى فيه وارد الطلب، فخير ما يطلبه من سيده ما هو طالبه منه و هو ما تقدم ذكره، ففي بعض الأحاديــث: إن الله لا يسأل الخلق عن ذاته و صفاته، و لا عن قضائه و قدره و لكن عن أمره و نهيه..

قلــت: لأن الأمر و النهي في كسبه مكلف به، و معرفة الذات و الصفات، و الرضى و التسليم، إنما هي مواهب جزاء الأعمال و نتائج الامتثال، فإذا فعل ما أمره به سيده رزقه المعرفة به المعرفة العامة، و هي معرفة الدليل، فإذا اشتد عطشه قيض له من يأخذ بيده حتى يعرفه به المعرفة الخاصة، و قال بعضهم إذا عرضت لك حاجة فأنزلها بالله، يعني من غير طلب ما لم يكن لك فيها حظ، فتحجب عن الله، قال تعالى: (وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)النساء32، و فضله هو الغنى به..

و من دعاء الجنيد رضي الله عنه: اللهم و كل سؤال فعن أمرك لي بالسؤال، فاجعل سؤالي لك سؤال محابك، و لا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ، بل يسأل القيام بواجب حقك..

   ثم إذا طلبت منه فاطلب منه ما طلبه منك، و هو الطاعة و الاستقامة و لو لم تساعفك الأقدار، و منعت منها قبل أن تسأل، فإن لم تنهض إليها بقلبك، و تأسفت عليها بنفسك، فذلك علامة الاغترار كما أشار إلى ذلك بقوله:

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد