الحجامة على نقرة القفا:

0

التالي فهرس سابق

القفا هو مؤخرة الرأس، ونقرته هو التجويف الصغير الذي يوجد في أعلى العنق (الفقرة الأولى أو الثانية على الأرجح).. فمصطلح "نقرة القفا" في الحجامة تعيين خاطئ لما ورد في حديث الرسول الكريم كما اورده أبو نعيم مرفوعا: (عَلَيْكم بالحِجَامَة فى جَوْزَةِ القَمحْدُوَةِ، فإنها تشفى من خمسة أَدواءٍ)، ذكر منها الجُذَامَ.. وفي حديث آخر: (عليكم بالحِجَامَة فى جَوْزَةِ القَمْحْدُوَةِ، فإنها شفاءٌ من اثْنَيْنِ وسَبْعينَ داءً)..

أما "القمحدوة": فهي أعلى نقطة في مؤخرة الجمجمة، بحيث إذا نام الشخص على ظهره، فالنقطة من قفاه التي تلمس الأرض هي القمحدوة.. ويسمى القحف العصبي للجمجمة (protubérance occipitale externe)..

وقد أضاف الرسول الكريم كلمة تشخيصية أخرى، قال صلى الله عليه وسلم: "جوزة القمحدوة" ولا بد أن يعني العظم أو النقطة الأبرز في خط الوسط من القفا (le point le plus saillant sur la ligne médiane)، وتسمى في علم النتروبولوجيا (inion) وهي النقطة الوحيدة التي يمكن أن يطلق عليها: القَمَحْدُوَة، ومكانها بالتحديد: الجزء السفلي من الجزء الخلفي من الجمجمة (انظر الصورة)..

وقد وقع لغط كبير بين الممارسين أو المهنيين الذي يمارسون الحجامة، ولم ينج منهم إلا القليل جدا، بما فيهم الطباء، وربما لأنهم يشتغلون على انفراد معتمدين كلية على نقاط الطاقة الصينية، وهذا كله تقصير في حق الطب الإسلامي.. أما الذي نتمناه، ونشد إليه همم الأطباء المسلمين، أو السلطات المهتمة بأمر الطب النافع، أن تجد في الأمر أشخاصا أكفاء في الميدان، فإن في الأمر نفع ديني ودنيوي، والجميع يعلم أن الحجامة أصبح لها مراكز في كثير من الدول المتقدمة، وكذلك العلاج بالصيام أو التركيز... وكل هذا سنأتي عليه من خلال هذا البحث..

وهذه صور تبين الفرق بين القمحدوة وجوزة نقرة القفا:

إذا لا نقول: نقرة القفا في الحجامة للدلالة على جوزة القمَحدُوة، وجاء الهدي النبوي في هذا المكان لأهميته من جهة النفع أولا، وقد ذكرنا فيهما الحديثين، ومن جهة أخرى تحسبا من حدوث أذى لأن منطقة القفا فيها عروق كثيفة وأعصاب ومجسات كثيرة، وتسمى علميا أعصاب الضفيرة العنقية (plexus cervical postérieur) وهي منطقة حساسة لمن لم يعمل حسابها، فافهم رحمة الرسول الكريم في هدية..

الضفيرة العنقية أو الرقبية (plexus cervical) هي ضفيرة عصبية (plexus nerveux) مكونة من مجموعة باطنة من أعصاب العمود الفقري (الفقرة 1 وف2، ف3 وف4).. وهي تعطي أعصاب يمكن أن نصنفها إلى ثلاث مجموعات حسب مهامها وتوجهاتها..

أولها: إلى معظم العضلات الداخلية للقفا (la plupart des muscles antérieurs du cou)..

ثانيها: إلى الجلد (خصوصا الجهة الجانبية السفلى من الرأس) والجهة الداخلية للعنق وجزء من الأكتاف والجهة الداخلية من القفص الصدري..

ثالثها: الحجاب الحاجز (diaphragme) وهي العضلة الأساسية المسؤولة عن الجهاز التنفسي..

باختصار شديد، للضفيرة العنقية أو الضفيرة الرقبية مهمة أساسية في تهوية الرئة (ventilation pulmonaire)، ويعتبر العصب الحجابي (le nerf phrénique) هو المحرك الذي يعصب نصف الحجاب الحاجز المماثل (la moitié homolatérale du diaphragme)... وهناك أعصاب أخرى تسمى حسية (nerfs sensitifs) تمر عبر العنق وفوق الترقوة..

وهذا ما يجعل المنطقة شديدة الحساسية، وهذا لا يعني أن منطقة جوزة القمحدة لا يمكن استبدالها بنقرة القفا، فقط يجب ان يكون الشخص خبيرا بالمنطقة ويعمل لها حساباتها، شريطة أن تكون عضلات العنق سميكة وجلده متماسك، ويكون الوخز بدل التشريط، أو إن كان التشريط يكون بيد ناعمة ودقيقة ومتخصصة...

أما وأن يحتج على الموضع بكلام ابن سينا في القانون أو حجامة الإمام ابن حنبل في جانبي قفاه، أو أي مؤلف من طب الفقهاء، فإن هذا والله يخدش كرامة المؤمن في الأوساط العلمية والعملية معا، خصوصا إذا جعلها مرجعا علميا مبني على أساس ديني، والله يعلم أن هذا ليس من الدين في شيء ولا من الطب في شيء، ومن يطوف على مواقع النت فإنه يرى ويسمع ما يحفز الناس على الفرار إلى الطب العرضي (médicine symptomatique) وهو متيقن أن كل الأدوية كلها كيميائية، وإن خففت جانيا من العلة فإنها تضر بجوانب عدة...

فالحجامة على جوزة القمحدوة لها منافع كثيرة كما ذكر ذلك في الحديث رغم ضعفه من جهة السند، ولعل الأطباء يصححونه من الجهة العلمية ويثيتون فعليته في خمسة أدواء منها الجدام وفي الحديث الآخر من 72 علة أو مرض أو داء.

من هذه الأمراض أو العلل يمكن أن نسميها عمودية (أعراض آنية أو حينية)، وهو ما احتجم عليه الرسول الكريم كما ورد في كثير من الأحاديث، وهي آلام الرأس (céphalées) أو العنق (névralgie d'Arnold) أو الشقيقة (migraine)... وهذه تسمى أعراض السفر أو التعب، وكل الأحاديث تثبت أن الرسول الكريم كان فيها مسافرا ومرة كان محرما، وهذه يمكن أن تسمى أعراض أفقية للحجامة بصفة عامة..

كما أن الحجامة على القمحدوة تنفع في الأعراض الأفقية، ويمكن أن نحدد منها المتوسطة كعلل السمع والبصر والذوق، أو الأعراض الأخرى الباطنة على مستوى الدورة الدموية أو مستوى التنفس... أو الأعراض البعيدة، والتي يمكن تنفع الجسد من خلال تنشيط الغدة النخامية (Glande pituitaire) وهي تتحكم في 72 هرمون في الجسد، أو كما يلقبها البعض بقائدة الغدد..

 

الغدة النخامية (Glande pituitaire) وتسمى كذلك (hypophyse).. هي غدة صغيرة بيضوية الشكل، تشبه حبة البازلاء (لوبيا) تزن حوالي نصف غرام، تقع في تجويف عظمي في جمجمة الإنسان أسفل الدماغ يسمى: السرج التركي (selle turcique)، وهي شق يشبه سرج حصان.. مباشرة فوق التجويفات الأنفية (sinus paranasaux)، فوقه مباشرة يلتقي العصبان البصريان قبل دخولهما في المخ.. هذه المنطقة تسمى ملتقى العصب البصري (chiasma optique).. وتلتقي الغدة النخامية مع المهاد أو الوطاء (l’hypothalamus) بساق الغدة النخامية (la tige hypophysaire) وهذا مكانها كما تظهر في الصورة..

 

تعتبر الغدة النخامية من نظام الغدد الصماء (système endocrinien)، والتي هي مجموعة من الغدد والخلايا في الجسد، تعمل على إنتاج وتوزيغ الهرمونات في الدم، التي تراقب مجموعة مهام داخل الجسد، كالنمو (croissance) والتوالد (reproduction) وكذا النوم (sommeil) والجوع (faim) والاستقلاب (métabolisme) وهو تحويل الغذاء إلى طاقة وسعرات حرارية يحرقها الجسم للحفاظ على الوظائف الحيوية... وبالتالي فالغدة النخامية تفرز هرمونات من شأنها مراقبة باقي الغدد الصماء في الجسد..

تنقسم الغدة النخامية إلى ثلاثة فصوص: فص نخامي أمامي (lobe antérier de l’hypophyse) وخلفي (lobe postérieur de l’hypophyse) وبينهما واحد وسطي. ولكل من الفصوص تخصص في إنتاج هرمونات بعينها..

فالفص النخامي الأمامي (lobe antérier de l’hypophyse) ويسمى كذلك (adénohypophyse) يفرز الهرمونات التالية:

* هرمون النمو (hormone de croissance GH) ويسمى كذلك الموجهة الجسدية (somatotrophine) وهو الذي يعمل على نمو العظام والعضلات ومتانتها..

* هرمون قشر الكظر (hormone corticotrope) (ACTH)ويسمى كذلك القشرية (corticotrophine) وهو يحفز الغدة الكدرية لإنتاج هرمون الستيرويد (hormones stéroïdiennes) كالكرتزول (cortisol)، فهذه الهرمونات تساهم في انتظام الضغط الدموي عندما يكون الإجهاد العصبي أو القلق...

* التيروتروبين أو التيروستيمولين (thyréostimuline (TSH) thyrotropine) وهو الذي يعمل على الغدة الدرقية (glande thyroïde) لكي تنتج وتحرر الهرمونات التي تعمل على النمو والاستقلاب، على الوثيرة التي يعمل عليها الجسد لتحويل الغذاء إلى طاقة..

* البرولاكتين (prolactine) وهو هرمون يعمل على تكبير الثدي عند بلوغ الإناث ويعمل على إدرار الحليب عند الولادة..

* الهرمونات المنبهة للجريب (L’hormone folliculostimulante (FSH)) وهي التي تحفز الأعضاء التناسلية لإنتاج هرمونات.. عند الإناث تحفز تطوير البيض في المبايض (développement des ovules dans les ovaires) وتحفز نزول مولدات النزوة (œstrogène) من المبيض.. اما عند الذكور فتحفز الحيونات المنوية (النطفة) (spermatozoïdes) من الخصيتين (testicules)... وهناك هرمونات أخرى كهرمون تينيزينغ (hormone lutéinisante (LH) والتي لها نفع على الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة معا..

* هرمون المنشط للخلايا الصباغية (hormone mélanotrope (MSH) وهو الذي يحفز خلايا الجلد حتى تفرز أصباغ تسمى الخلايا الصبغية (mélanocytes) حتى تصنع الميلانين (mélanine) وهذا الهرمون يفعل الخلايا الصبغية عند الجنين وعند شباب الأطفال وعند النساء الحوامل..

فالفص النخامي الخلفي (lobe postérieur de l’hypophyse) ويسمى كذلك (neurohypophyse):

يتكون من أنسجة عصبية، وهو في الواقع رتج من المهاد (diverticule de l'hypothalamus) الذي يتبدأ التكون وهو جنين، وهو الذي يصبح من بعد الغدة النخامية الظهرية (أو الغدة النخامية العصبية) (hypophyse épithéliale)..

هذه الغدة العصبية (neurohypophyse) تنتهي بحزم عصبية (faisceaux nerveux) وتأتي مباشرة من المخ، خصوصا من النواة فوق البصرية (noyau supraoptique) والنواة المجاورة للبطينات (noyau paraventriculaire)..

على العموم هذه الغدة لا تنتج هرمونات ولكنها لها دور كدري في تخزين وإفراز مختلف الهرمونات منهم الهرمون المضاد لإدرار البول (hormone antidiurétique (ADH) ويسمى كذلك (vasopressine) ويعمل على تقليص كمية البول التي تفرزها الكلي، ويتدخل في مراقبة الضغط الدموي..

تأتي التروية الدموية للغدة النخامية من الشريان السباتي (carotide)، والغدة النخامية الخلفية (lobe postérieur) من الشريان النخامي السفلي (artère hypophyse Bottom) ويغطي الجزء الأسفل من الوطاء مع السويقية النخامية الشريان النخامي العلوي، ثم تعود لتتحد في أوعية جديد، ثم تتحول إلى شعيرات... .

فإذا أردنا أن نحلل كل ما ذكر على ضوء حديث الرسول الكريم، فإننا نجد الحديث الشريف في الحجامة على القمحدوة كأنه قاعدة بيانات (base de donnés) يجب أن نراجعها على ضوء العلم بالتحقيق والتدقيق..

فإذا نظرنا إلى حديث انها: تشفي من خمسة أدواء، ذكر منها الجُذَامَ:

فإننا نجد أن الهرمونات التي تفرزها الغدة النخامية، هي على خمسة أصناف:

1) هرمون النمو وكما سبق ذكره يعمل على نمو العظام والعضلات..

2) هرمون قشر الكظر، ويساهم في انتظام الضغط الدموي عندما يكون الإجهاد العصبي أو القلق...

3) التيروتروبين، و ينتج ويحرر الهرمونات التي تعمل على النمو والاستقلاب..

4) الهرمونات المنبهة للجريب، وهي تنفع للخصوبة والتناسل بكل أشكاله وفصوله..

5) هرمون المنشط للخلايا الصباغية، وهو الذي يحفز خلايا الجلد..

أما ذكر الجذام (lèpre) كما ورد في الحديث الشريف.. وهو مرض جلدي لا يزال يعرف إلى الآن، وهي بكتيريا تصيب الأعصاب الطرفية (nerfs périphériques) والجلد والغشاء المخاطي (la peau et les muqueuses)... . إذن هو يدل بالضبط على عوز أو خلل في الهرمون المذكور خامسا وهو الهرمون المنشط للخلايا الصبغية، والذي يحفز خلايا الجلد..

هكذا فقط لنعرف دقة الحديث الشريف، ومن تأمل كل علة من العلل فإنه يجدها تتسبب في عدد من الأعراض والأمراض والعلل، كل من تطاول على علاجها فقط حسب الأعراض (symptomatique) ، فإنه مقصر مقصر مقصر..

أما الحجامة على جوزة القمحدوة، وقد علمنا أن الغدة النخامية تتغدى من هذه الأوردة الموجودة في القفا أو قريبة من ذلك، فإن صادفت المتخصصين، وصادفت الأوقات الحسنة والطيبة المنصوصة في الأحاديث الشريفة، وكانت معها النية الصادقة: فإنها شفاءٌ من اثْنَيْنِ وسَبْعينَ داءً.. (صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم...)

ولا أزال أقرع طبولا لعل هِمما تنهض إلى خير الأمة في دينها ودنياها، وعلمها وعملها.. وإن في الأمة رجالا.. وإن في الأمة هِمما... وإن كان علم الغدد لا يزال يفتقر إلى كثير من العمل في البحث الطبي سواء مستوى وظائف الأعضاء كما سلف ذكره أو على مستوى علم النفس الإسلامي أو الديني، وفيه كيف يفعل الخوف من الله بدل الخوف من غيره والتعلق به سبحانه دون سواه، والطمع فيه مع اليأس في غيره.... وكلام طويـــــل.. وعليه تبنى عقيدة الفرد ومنعته الروحية والنفسية التي لا تنفك عن صحة الجسد.. فإن قالوا للأطفال: العقل السليم في الجسم السليم ليحفزوهم على الاعتناء بأبدانهم فإننا نقول: العقيدة السليمة في الحواس السليمة.. وكما هي موجودة الحواس الظاهرة المعروفة بوظائفها فإن عاقلا واحدا لا ينفي وجود حواس باطنة: بها نحب ونبغض، ونقبل وندبر، ويكون لنا بها أمل أو يأس، وبها يكون التعلق أو النفور............... .

وهذه صورة مبينة للغدة النخامية ومدى علاقتها بالأوردة التي تتغذى منها والعروق التي التي تفرز منها أو تراقب وإن كان فيها بعض التقصير لقلة الخبرة في التصوير، ولعا احدا يجددها بما يجب وكيف يجب، وهي في الصفحة التالية:

 

التالي فهرس سابق

تعليق (0)

تعليق جديد